الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

129

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

جملة فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى ، أو حال مقدمة على صاحبها باعتبار تعريف الجنس كالتنكير . وتأنيث الْحُسْنى باعتبار الخصلة أو الفعلة . ويجوز أن تكون الْحُسْنى هي الجنة كما في قوله لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ [ يونس : 26 ] . والقول اليسر : هو الكلام الحسن ، وصف باليسر المعنوي لكونه لا يثقل سماعه ، وهو مثل قوله تعالى : فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُوراً [ الإسراء : 28 ] أي جميلا . فإن كان المراد من الْحُسْنى الخصال الحسنى ، فمعنى عطف وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً أنه يجازى بالإحسان وبالثناء ، وكلاهما من ذي القرنين ، وإن كان المراد من الْحُسْنى ثواب الآخرة فذلك من أمر اللّه تعالى وإنما ذو القرنين مخبر به خبرا مستعملا في فائدة الخبر ، على معنى . إنا نبشره بذلك ، أو مستعملا في لازم الفائدة تأدبا مع اللّه تعالى ، أي أني أعلم جزاءه عندك الحسنى . وعطف عليه وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً لبيان حظ الملك من جزائه وأنه البشارة والثناء . [ 89 ، 90 ] [ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 89 إلى 90 ] ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً ( 89 ) حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً ( 90 ) تقدم خلاف القراء في فَأَتْبَعَ سَبَباً فهو كذلك هنا . ومطلع الشمس : جهة المشرق من سلطانه ومملكته ، بلغ جهة قاصية من الشرق حيث يخال أن لا عمران وراءها ، فالمطلع مكان الطلوع . والظاهر أنه بلغ ساحل بحر اليابان في حدود منشوريا أو كوريا شرقا ، فوجد قوما تطلع عليهم الشمس لا يسترهم من حرها ، أي لا جبل فيها يستظلون بظلّه ولا شجر فيها ، فهي أرض مكشوفة للشمس ، ويجوز أن يكون المعنى أنهم كانوا قوما عراة فكانوا يتّقون شعاع الشمس في الكهوف أو في أسراب يتخذونها في التراب . فالمراد بالستر ما يستر الجسد . وكانوا قد تعودوا ملاقاة حرّ الشمس ، ولعلهم كانوا يتعرضون للشمس ليدفعوا عن أنفسهم ما يلاقونه من القر ليلا .